محمد بن جرير الطبري
311
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
سيفي ذا المنيه - وكان قد سمى سيفه ذا المنيه - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه ، ثم يقول : وا جعفراه ! وا سيداه ! والله لأقتلن قاتلك ، ولأثارن بدمك عن قليل ! فلما كثر هذا من فعله ، جاء ابنه عثمان إلى الفضل بن الربيع ، فأخبره بقوله ، فدخل الفضل فأخبر الرشيد ، فقال : ادخله ، فدخل ، فقال : ما الذي قال الفضل عنك ؟ فأخبره بقول أبيه وفعله ، فقال الرشيد : فهل سمع هذا أحد معك ؟ قال : نعم خادمه نوال ، فدعا خادمه سرا فسأله ، فقال : لقد قال ذاك غير مره ولا مرتين ، فقال الرشيد : ما يحل لي ان اقتل وليا من أوليائي بقول غلام وخصى ، لعلهما تواصيا على هذه المنافسه ، الابن على المرتبة ، ومعاداه الخادم لطول الصحبة ، فترك ذلك أياما ، ثم أراد ان يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنه تزيل الشك عن قلبه ، والخاطر عن وهمه ، فدعا الفضل بن الربيع ، فقال : انى أريد محنه إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه ، فإذا رفع الطعام فادع بالشراب ، وقل له : أجب أمير المؤمنين فينادمك ، إذ كنت منه بالمحل الذي أنت به ، فإذا شرب فأخرج وخلنى وإياه ، ففعل ذلك الفضل بن الربيع ، وقعد إبراهيم للشراب ، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام ، فقال له الرشيد : مكانك يا إبراهيم ، فقعد ، فلما طابت نفسه ، أومأ الرشيد إلى الغلمان فتنحوا عنه ، ثم قال : يا إبراهيم ، كيف أنت وموضع السر منك ؟ قال : يا سيدي انما انا كاخص عبيدك ، وأطوع خدمك ، قال : ان في نفسي امرا أريد ان اودعكه ، وقد ضاق صدري به ، واسهرت به ليلى ، قال : يا سيدي إذا لا يرجع عنى إليك ابدا ، واخفيه عن جنبي ان يعلمه ، ونفسي ان تذيعه قال : ويحك ! انى ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامه ما أحسن ان اصفها ، فوددت انى خرجت من ملكي وانه كان بقي لي ، فما وجدت طعم النوم منذ فارقته ، ولا لذة العيش منذ قتلته ! قال : فلما سمعها إبراهيم اسبل دمعه ، واذرى عبرته ، وقال : رحم الله أبا الفضل ، وتجاوز عنه ! والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله ، واوطئت